تحيا الحياة!

 



أجلس ها هنا، أمامي صفحة بيضاء، تتجمد أفكاري وأصابعي معًا، وهأنذا أكتب اللاشيء لعلي أصل لشيء.

تحيا الحياة. أعلم أنني في قرارة نفسي أحبها، وأنني أودّ أن أعيش حياةً حقيقية تخلو من الاصطناع، حياة أكون فيها شخصي الغريب بلا خوف من أحكام أو نظرات، ربّما أرخي قبضتي من حينٍ لآخر، وأزهد فيها كلما كبرت، بل وأتمنى قِصَرها أغلب الوقت، لكن أجدني ضعيفة أمام كل مظهر بسيط من مظاهرها، كحمامة وطئت على مقربة مني، أو قطة تخلت عن جميع الجالسين واختارت أن تلعب معي أنا، أو طفل يضحك ببراءة.

الغريب أن مظاهر الحياة تلك تملؤني بالسعادة والحزن معًا؛ بالسعادة لأن اللحظة تغمرني بالسلام في وقتها، وبالحزن لإيماني بانقضائها في غمضة عين، فالحمامة ستطير بعد عشر ثوانٍ، والقطة ستملّ وترحل بعد عشر دقائق، والطفل سرعان ما يكبر وتختفي براءته بعد عشر سنين.

لطالما بحثت عن معنى الحياة بين طيّات الكتب، وعن كيفية تحصيل السعادة بين كلمات الفارابي وغيره، لكن لم أجد أبدًا إجابة لسؤالي: ماذا بعد؟

ماذا بعد التخرّج؟ ماذا بعد الفوز بفرصة عمل؟ ماذا بعد تحقيق العديد من الإنجازات؟ أيعيش الإنسان في الدائرة المغلقة نفسها حتى موته؟ يأكل ويشرب وينام ويصلّي ويتضرّع ويعمل، ثم ينتهي أجله؟

يُخيل إليّ أنّه منذ زمنٍ بعيد، وقبل ظهور الرأسمالية، كانت الحياة تستمدّ معناها من حالة التعلّم المستمر، فكنت ترى العالِم كاتبًا وفيلسوفًا وفنانًا. هل أصبح التعلّم المستمر مستحيلًا في عصرنا، في ظل محاولاتنا المستميتة لتكوين ثروة؟ ناهيك عن التضخم المفاجئ الذي يضرب بكل مدخراتك عرض الحائط، فتبدأ مجددًا من نقطة الصفر… مرارًا وتكرارًا.

ليس علينا إلا السّعي، أعلم هذا جيدًا، لكن كيف يُدرِك المرء إن كان على طريقه الصحيح؟ أحيانًا أكره أنني أفكر في كل ذلك، فإن لم أكن شخصيةً غريبةً تمتلك أفكارًا أغرب، لكنت مشيت على الخطة الموضوعة بإحكام من قبل المجتمع -أي التخرّج ثم الزواج-، لكن لا، فجأةً أدركت أنه عليّ اكتشاف ذاتي في كل المجالات، فربما أدركها في مكان لم أتوقعه.

لحسن الحظ، دائمًا ما أجد جزءًا من ذاتي في كل الأماكن غير المتوقعة، أتعامل مع هذه الأجزاء المختلفة كأنها أحجية، ما يجعلني أدرك غرابتي أكثر فأكثر، كأن أغنية Creep لراديوهيد مكتوبة من أجلي.

دائمًا ما نسمع هذه الشعارات بأنك لا تكتشف ذاتك، بل تشكّلها من جديد، لكن كيف يمكنني محو نسخة قديمة مني؟ سواء كنت راضية عن هذه النسخة أم لا، فهي أنا وأنا هي. قرأت فرويد وقرأت أدلر، وعلى الرغم من تناقضهما الشديد، إلا أنني أجد نفسي في المنتصف تمامًا بينهما؛ لا أستطيع الركض بكامل قواي نحو المستقبل -كما ترجح كفة أدلر- لوجود حبل سميك يسحبني إلى الوراء، ولا أستطيع ترك المستقبل والتركيز على نسخي القديمة -كما ترجح كفة فرويد- لأن هذا يتنافى تمامًا مع مصطلح السعي.

مساكين بني آدم جميعًا، تثقل كواهلنا الحياة، ولا تنتظر أحدًا أن يلملم شتات نفسه، فالساقية لم ولن تتوقف عن الدوران ولو لساعة.

ماذا بعد؟…

ربما يكون عزاؤنا الوحيد أن نتعرّى أمام أنفسنا، بلا خجل ولا تجميل ولا حيل دفاعية، وأن تنصب لذاتك محكمة، بشرط أن يكون القاضي رحيمًا؛ تتقبّل هفواتك واحدة تلو الأخرى، ولا تنكر شمائلك، مع عدم المغالاة في التركيز على صفاتك الحميدة، حتى لا ينتهي بك الأمر مثل نرسيسوس.

ربّما حينها نتقبّل أن ذواتنا لم تُخلَق للكمال، وأن قدرنا الشتات، فنحن أجزاء متناقضة عدّة تتعايش في الجسد نفسه ليس مقدرًا لها أن تتآلف يومًا.


Comments